محمد هادي معرفة

82

التمهيد في علوم القرآن

هذا كلّه نظر في الآية من جانبي البلاغة . 3 - وأمّا النظر فيها من جانب ( الفصاحة المعنوية ) فهي - كما ترى - نظم للمعاني لطيف ، وتأدية لها ملخّصة مبيّنة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد . بل إذا جرّبت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها . فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى إذنك إلّا ومعناها أسبق إلى قلبك . 4 - وأمّا النظر فيها من جانب ( الفصاحة اللفظية ) فألفاظها - على ما ترى - عربية مستعملة ، جارية على قوانين اللغة ، سليمة عن التنافر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة على العذبات ، سليسة على الإسلاسات ، كل منها كالماء في السلاسة ، وكالعسل في الحلاوة ، وكالنسيم في الرقّة . قال : وللّه درّ شأن التنزيل ، لا يتأمل العالم آية من آياته إلّا أدرك لطائف لاتسع الحصر ، ولا تظنّن الآية مقصورة على ما ذكرت ، فلعلّ ما تركت أكثر ممّا ذكرت ، لأنّ المقصود لم يكن إلّا مجرّد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي ( المعاني والبيان ) وأن لا علم في باب التفسير - بعد علم الأصول - أقرأ منهما على المرء لمراد اللّه تعالى من كلامه ، ولا أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته ، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره ، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه . هو الذي يوفي كلام ربّ العزّة من البلاغة حقّه ، ويصون له في مظانّ التأويل ماءه ورونقه « 1 » .

--> ( 1 ) مفتاح العلوم : ص 196 - 199 .